الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
438
تفسير روح البيان
عَلِيمٌ مبالغ في العلم بتفاصيل كيفيات الخلق والإيجاد إنشاء وإعادة محيط بجميع الاجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الاشخاص أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلا من ذلك على النمط السابق مع القوى التي كانت قبل وفي بحر العلوم بليغ العلم بكل شئ من المخلوقات لا يخفى عليه شئ من الاجزاء المتفتتة وأصولها وفروعها فإذا أراد ان يحيى الموتى يجمع اجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها ويحيون كما كانوا احياء وهو معنى حشر الأجساد والأرواح وبعث الموتى قال القاضي عضد الدين في المواقف هل يعدم اللّه الاجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التأليف والحق انه لم يثبت ذلك ولا نجزم فيه نفيا ولا اثباتا لعدم الدليل على شئ من الطرفين وقوله تعالى ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) لا يرجح أحد الاحتمالين لان هلاك الشيء كما يكون باعدام اجزائه يكون أيضا بتفريقها وابطال منافعها انتهى . فالجسم المعاد هو المبتدأ بعينه اى بجميع عوارضه المشخصة سواء قلنا إن المبتدأ قد فنى بجميع أعضائه وصار نفيا محضا وعدما صرفا ثم إنه تعالى إعادة بإعادة اجزائه الأصلية وصفاته الحالة فيها أو قلنا إن المبتدأ قد فنى بتفرق اجزائه الأصلية وبطلان منافعها ثم إنه تعالى الف بين الاجزاء المتفرقة وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وخلق فيها الحياة واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون كقولهم ( أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وقولهم ( أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) * ومن قال ( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) قاله على طريق الاستبعاد فأبطل اللّه استبعادهم بقوله ( وَنَسِيَ خَلْقَهُ ) اى نسي انا خلقناه من تراب ثم من نطفة متشابهة الاجزاء ثم جعلنا له من ناصيته إلى قدمه أعضاء مختلفة الصور وما اكتفينا بذلك حتى أو دعناه ما ليس من قبيل هذه الاجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحق الإكرام فان كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محلا للحياة أصلا ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ومنهم من ذكر شبهة وان كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين . الأول انه بعد العدم لم يبق شيأ فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) يعنى انه كما خلق الإنسان ولم يك شيأ مذكورا كذلك يعيده وان لم يبق شيأ مذكورا . والثاني ان من تفرقت اجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في حواصل الطيور وبعضه في جدران المنازل كيف يجتمع وابعد من هذه انه لو أكل انسان إنسانا وصارت اجزاء المأكول داخلة في اجزاء الآكل فان أعيدت اجزاء الآكل لا يبقى للمأكول اجزاء تتخلق منها أعضاؤه وان أعيدت الاجزاء المأكولة إلى بدن المأكول وأعيد المأكول بأجزائه لا تبقى للآكل اجزاء يتخلق منها فأبطل اللّه هذه الشبهة بقوله ( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) ووجهه ان في الآكل اجزاء أصلية واجزاء فضلية وفي المأكول أيضا كذلك فإذا أكل انسان إنسانا صارت الأجزاء الأصلية للمأكول